الشوكاني

78

فتح القدير

إلا كالأنعام ) أي ما هم في الانتفاع بما يسمعونه إلا كالبهائم التي هي مسلوبة الفهم والعقل فلا تطمع فيهم ، فإن فائدة السمع والعقل مفقودة ، وإن كانوا يسمعون ما يقال لهم ويعقلون ما يتلى عليهم ، ولكنهم لما لم ينتفعوا بذلك كانوا كالفاقد له . ثم أضرب سبحانه عن الحكم عليهم بأنهم كالأنعام إلى ما هو فوق ذلك فقال ( بل هم أضل سبيلا ) أي أضل من الأنعام طريقا . قال مقاتل : البهائم تعرف ربها وتهتدي إلى مراعيها وتنقاد لأربابها ، وهؤلاء لا ينقادون ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم . وقيل إنما كانوا أضل من الأنعام ، لأنه لا حساب عليها ولا عقاب لها ، وقيل إنما كانوا أضل لأن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك ، بخلاف هؤلاء فإنهم اعتقدوا البطلان عنادا ومكابرة وتعصبا وغمطا للحق . وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ) قال : عونا وعضدا . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( فدمرناهم تدميرا ) قال : أهلكناهم بالعذاب . وأخرج ابن جرير عنه قال : الرس قرية من ثمود . وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال : الرس بئر بآذربيجان ، وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس أنه سأل كعبا عن أصحاب الرس قال : صاحب يس الذي قال - يا قوم اتبعوا المرسلين - فرسه قومه في بئر بالأحجار . وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود ، وذلك أن الله بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا ذلك الأسود ، ثم إن أهل القرية غدوا على النبي فحفروا له بئرا فألقوه فيها ، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم ، فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ، ثم يأتي يحطبه فيبيعه فيشتري به طعاما وشرابا ، ثم يأتي به إلى تلك البئر ، فيرفع تلك الصخرة فيعينه الله عليها ، فيدلى طعامه وشرابه ثم يردها كما كانت ، فكان كذلك ما شاء الله أن يكون ، ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها ، فلما أراد أن يحملها وجد سنة فاضطجع فنام فضرب على أذنه سبع سنين نائما ، ثم إنه ذهب فتمطى فتحول لشقه الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ، ثم إنه ذهب فاحتمل حزمته ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار ، فجاء إلى القرية فباع حزمته ، ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع ، ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها الذي كانت فيه فالتمسه فلم يجده ، وقد كان بدا لقومه فيه بد فاستخرجوه فآمنوا به وصدقوه ، وكان النبي يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل ؟ فيقولون ما ندري حتى قبض ذلك النبي ، فأهب الله الأسود من نومته بعد ذلك ، إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة " قال ابن كثير في تفسيره بعد إخراجه : وفيه غرابة ونكارة ، ولعل فيه إدراجا انتهى . الحديث أيضا مرسل . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى قال : القرن مائة وعشرون عاما . وأخرج هؤلاء عن قتادة قال : القرن سبعون سنة ، وأخرج ابن مردويه عن أبي سلمة قال : القرن مائة سنة . وقد روى مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : القرن مائة سنة ، وقال القرن خمسون سنة ، وقال القرن أربعون سنة . وما أظنه يصح شئ من ذلك وقد سمى الجماعة من الناس قرنا كما في الحديث الصحيح " خير القرون قرني " . وأخرج الحاكم في الكنى عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك ، ثم يقول : كذب النسابون . قال الله ( وقرونا بين ذلك كثيرا ) . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ( ولقد أتوا على القرية ) قال : هي سدوم قرية لوط ( التي أمطرت مطر السوء ) قال : الحجارة . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه ) قال : كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زمانا من الدهر في الجاهلية ،